Latest News

لم تنتظر نورهان حمود حدثاً آخراً، ولم تنتظر موسماً آخراً.. وللأسف لم تتخلص منه سوى عبر موتها!

المدن – روجيه عوطة
 
كانت نورهان حمود تحب البطيخ كثيراً، قالت في بوست فايسبوكي أنه “ببورد”، إذ إنها واظبت على تناول هذه الفاكهة لكي تخفف من قيظ جسدها على إثر الحرارة والرطوبة في مدينتها. وربما هي حين انتحرت، رأت أن فعلها هذا قريب من أكل البطيخ، لأنه “يبورد” أيضاً. ذلك، أنها لمّا ألقت بجسدها من شرفة منزلها في الصنائع، كانت تبغي تسكين قيظه.
لقد قفزت لكي تخفض فورانها، ومن الممكن الإعتقاد بأنها لم تحقق بغيتها سوى بين البلكون والطريق، فما أن وثبت حتى هبّت ريح لطيفة عليها، وما أن ارتطمت بالإسفلت حتى دخلت في صقيعٍ حاد. أوقفتها الأرض عن الهبوط، وضعت حداً لنزولها، وأنهت قصة هذه الشابة، التي تاقت إلى القليل من الهواء، وبما أنه يكاد يكون معدوماً في بيروت، رمت بنفسها إليه.
والآن، إذا كان لإنتحارها قول بعينه، فقد يكون تلك العبارة، التي قالها فيلسوف فظيع مرةً، وقد يكون ذلك الإحساس المضني، الذي يعترينا على طول أيامنا في بلادنا: من الصعب أن نعبر الصحراء، لكن، من المؤلم أن نولد فيها.
كأن نورهان حمود شعرت بأن تلك الصحراء لا تتوانى عن الإتساع حولها، كما لا تتوانى عن الإنتقال إليها. فوجدت أنها تعيش بين صحراءين محتدمتين، حيث لا نبات ينمو فتحيا بجانبه، ولا ماء يتسرب فتروي ظمأها به. وجدت نفسها بين موتين، واحد، نشأت فيه، فإضطرمت، وثاني، زودت به، فتأججت، ولما رغبت في التخلص منهما، لم تقع على سُبل إنهائهما. طفرت، وبكل صدق، خاطبتنا: لا مجال للتبّرد هنا، لا مجال للحياة هنا، فالذين يعطوننا الموت كُثر، والذين يعينوننا على الإفلات منه غير موجودين بعد.
 
في العام المنصرم، وعلى وقع بروز النفايات إلى الملأ، بدا هؤلاء كأنهم بدأوا، ومن خلال خروجهم إلى الشارع تظاهراً واحتجاجاً، بالتحول من غير موجودين إلى قلةٍ، لكن، سرعان ما تشتتوا، ودخلوا في غيابهم. كان ذلك الحدث “مُبَورِداً”، إلا أن الشمس، التي دار تحت أشعتها، كانت حارقة للغاية، فلم تترك أي فيء إلا وطردته، كأنه محرم على الذين أتوا بعد كسوفها، بعد عقود من الحرب، أن ينعموا بمناخ دافئ، بل عليهم أن يختاروا بين الحرّ الشديد، والزمهرير.
 
لا، ليست نورهان حمود هي المصابة من تلقائها بالإضطراب الوجداني ثنائي القطب، على ما نطق أحد الأطباء النفسيين، متكلماً عن إنتحارها بلسان يزيل معناه. البلاد بأكملها تنوء تحت ثقل ثنائياتها وسلطاتها، أكانت إجتماعية أو سياسيةً، مطالبةً سكانها، وعلى مدار زمنها، بالإنخراط في تكريسها. فإما عليهم أن يتوطنوا في قيظها، أو يقطنوا في صقيعها، أما، في حال قرروا الإقلاع عن ثنائيتها هذه، والإبتعاد عن الإختيار منها، فإنها تقصيهم، مذكرةً إياهم، وباستمرار، بأنه لا مكان لهم.
 
وعندها، قد يشعرون وقد يرون أن أرض هذه البلاد لا تتردد في طردهم. ومن فرط حرّها، ومن فرط بردها، لا تدب الحياة فيها، بل إنها مقبرة تتنكر بخرافاتها، فحيناً، تكون شركة، وأحياناً، ميدان قتال، وفي الحالتين، تبذل كل جهدها لكي تتستر على المضمور في جوفها: “الواقع زبالة”، بحسب أحد شعارات حراك آب 2015.
 
في الصيف الماضي، كانت نورهان حمود تتبّرد عبر الخروج إلى الشارع، في الصيف الحالي، تبّردت بأكل البطيخ. ذلك الحراك ظهر، في نهايته، كأنه لم يبدأ بعد، وهذا يوفر له إمكان بدايته من جديد، وتلك الفاكهة تظهر في نهاية فصلها، كأنها ستترك ملتهميها وحدهم في الصحراء إلى أن يحل وقتها من جديد.
 
لم تنتظر نورهان حمود حدثاً آخراً، ولم تنتظر موسماً آخراً، ولا جدوى من لومها على واقعيتها الحادة. كانت تريد أن “تبورد”، أن تنتهي من الموت، كانت تريد أن تتخفف من حرارته، من حمله، وللأسف، كل الأسف، لم تتخلص منه سوى عبر موتها. وهذا لا جدوى من قياسه بمعياري الجبن والشجاعة، كما يحسب الذين يضبطون الإنتحار بمقولاتهم الفاترة، بل انه محض طفر، انصراف خالص.
 
هناك استفهام يشيع بعد إنتحار كل شخص، ما الأسباب التي دفعتها إلى قتل نفسه؟ أو وبكلمات مرعبة أكثر، ما السر وراء انتحاره؟ وفاءً للحدث الذي صنعته نورهان حمود، وغيرها من أصدقائنا، والمنتحرون هم من صنف الأصدقاء، علينا أن نستبدل هذا الإستفهام الباطل بآخر “واقعي”: مَن أعطى نورهان الموت؟ مَن منع عنها الحياة؟ وعلينا حين ننظر إليها الإدراك بأنها لم تنتحر إلا كردٍّ على نحرها، وبأنها، من قيظ جسدها إلى صقيع جثمانها، كانت تطالب بالقليل من الهواء، بـ”البوردة”.
Tayyar.org News

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*