Latest News

لماذا لم يسمِّ بري «الانقلابيين» بالاسماء؟

جورج عبيد-
أطلق رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في خطابه، وفي ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر، مجموعة مسلّمات، يجدر بالقرّاء متابعتها من دون التوقّف الجامد والحروفيّ عند بعض العبارات التي تشي بمضمون واضح بإشارته إلى الدلع السياسيّ. من المسلّمات الحركيّة والمتحرّكة في المسّار السياسيّ بصورة عامّة تأكيده على المثلّث الماسيّ: «الجيش والشعبّ والمقاومة»، وهو تأكيد لا حياد عنه في ذهنيّة الخطيب، وهو عتيق عند من ثمل بفكر الإمام المغيّب بحسب مصادر مقربة من عين التينة، وأدرك أن لا بدّ من قواعد تكبح عدوانيّة من يصرّون على ضرب لبنان الميثاقيّ، وهو عينه قائم في ذهن فريق كبير من المسيحيين وعلى رأسهم التيار الوطنيّ الحرّ، وهو يصبّ في الوقت عينه في تعزيز تلك الميثاقيّة بمعانيها العموديّة وانبساطها الأفقيّ. ومن المسلّمات الخارجة أيضًا من خطابه، تأكيده على النسبيّة كجوهر يجدر أن يكون متينًا في تطلعات السياسيين نحو قانون انتخابات تكوينيّ وليس بتسوويّ، ولا يكون مفردةً مطّاطة أو صالحة للمقايضة بعد تجويفها من مضمونها. وبهذه المنطلقات اعادنا برّي إلى سلّته غير البعيدة إطلاقًا عن الأطروحة التي أظهرها أمين عام حزب الله السيّد حسن نصرالله، وكلاهما توحّدا في مفهوم اللبننة الكاملة للحلّ السياسيّ في لبنان بعيدًا عن «لعبة حرق الوقت وبناء الاوهام في المراهنة على الخارج لحل القضايا الوطنية».
ومع التسليم بالشكل، وكما قال نائب رئيس المجلس النيابيّ السابق إيلي الفرزلي، في حديثه أمس، في برنامج حوار اليوم مع الزميل جورج ياسمين، «بأنّ الخطاب يصلح ليكون دستورًا جديدًا»، وهو وثيقة متكاملة الأطراف في توجهاتها، لكنّ أوساطًا سياسيّة راحت وبعد سماعها خطاب الرجل الكبير تسأل لماذا لم يسّمِ «الانقلابيين» ويضعهم أمام مسؤولياتهم التاريخيّة تاركًا للناس أن تستنتج وتستقرئ وتذهب بعيدًا في خيالها.
بعضهم توقّف عند كلمته الدقيقة «فلنلتزم الدستور»، ليسأل دولته وببساطة كاملة من الذي يعطّل الدستور يا دولة الرئيس، ولماذا لا تشير إليه بالإصبع وتدينه بصورة مباشرة. بعضهم الآخر انقسم في التفسير فاتجه جزء من هذا البعض إلى أن برّي يدين التيار الوطنيّ الحرّ وبخاصّة مؤسسه العماد ميشال عون ورئيسه جبران باسيل، وجزء قال أنّه وجّه الإدانة بوجه خاص لفؤاد السنيورة من دون أن يسميه، وقد سبق له في جلسة الحوار الثلاثيّة الأيّام وبنوع خاص في اليوم الثالث منها أن اتهمه بالعرقلة.
لكنّ أوساطًا متابعة بدقّة سألت لماذا لم يراعِ الجانب المسيحيّ في قضايا حساسة كما تراعون أنفسكم وتراعون الجانب السنيّ في توقه ومطالبه، وفي كلّ ما يرنو إليه من رؤى منسكبة في المؤسسات وما إليها؟ وتذكّر تلك الأوساط بإنّ الدستور مؤسّس على الميثاق وليس العكس تمامًا، انطلاقًا من المبادئ التي انطلق منها الدستور القديم سنة 1926 والدستور الجديد سنة 1990. والتسليم بالتأسيس الميثاقيّ للدستور اللبنانيّ بالعودة إلى ما قاله برّي يفترض بدوره من برّي وسواه الوقوف عند ما يشاؤه المسيحيون لأنفسهم لوطنهم ومناقشته إنطلاقًا من المسلّمات الميثاقيّة وتشذيب ما يمكن تشذيبه بالتوافق مع المكوّن المسيحيّ إذا كان ثمّة ما يستدعي التشذيب أو القبول بما يريده المسيحيون بأكثريّتهم الساحقة.وتذكّر تلك الأوساط الرئيس برّي كيف أنّ الوزير يعقوب الصرّاف، خرج من الحكومة متضامنًا مع الوزراء الشيعة في احتجاجهم على السلوكيات الخارجة من تيار المستقبل، كما تذكّره بقول قاله سنة 2006 وإبّان حرب تمّوز الشهيرة بأنّ لللعماد ميشال عون دينًا علينا، فلو جرشوا الملح على ظهري سيبقى هذا الدين قائمًا عندنا حتّى يوم الدين إلى أن نسدّده. وتسأل تلك الأوساط برّي هل لا زلت يا دولة الرئيس عند كلامك، ولماذا أنت شخصيًّا لا تراعي العماد عون في مطالبه بدلاً من خذلانه ووضعه موضع الانتقاد الدائم، ومنعه من الوصول إلى الرئاسة؟
تلك الأسئلة التي وجهتها الأوساط السياسيّة، أكّدت أنّ الأزمة كيانيّة وميثاقيّة بامتياز. وحين تبلغ الأزمة ذروتها باشتداد عواصفها سياسيًّا حينئذ يكون لبنان أمام أزمة وجوديّة بالكامل، يستعصي حلّها قبل أن يجيء الحلّ من المنطقة بأسرها. الأوساط السائلة والمنتقدة مع برّي في الاتجاه نحو اللبننة، أيّ لبننة الحلّ، اللبننة هي السبيل الوحيد الممكن بلوغه من خلال طاولة الحوار، وهي طاولة تأسيسيّة أو بإمكانها أن تصير تأسيسيّة في غياب كامل للمؤسسات وعلى رأسها المؤسسة التشريعيّة والتنفيذيّة. لكنّ الفريق المسيحيّ غير مضطرّ للسير بهذا الاتجاه الفاقع المهمّش والمهشّم له. اللبننة تستدعي بالدرجة الأولى الحوار مع المسيحيين قبل حوار حزب الله وتيار المستقبل، وقد ائتلفا مرّة في الحلف الرباعيّ سنة 2005 في تلك الانتخابات التي حاولت إقصاء المسيحيين ورميهم جانبًا، وقد فاز العماد عون بتسونامي مسيحيّ واضح بنسبة 75% من المسيحيين، وائتلفا أيضًا في مسألة التمديد للمجلس النيابيّ وفي مسألة التمديد لقائد الجيش في المرتين السابقتين، وهما الآن مؤتلفان في الهدف عينه.
على المستوى الداخليّ في بعض التفاصيل لا توجد مشاكل بين الفريقين تضيف الاوساط، الخلاف استراتيجيّ حول سوريا وعليها، ومتصل في المنطقة، لبنان لم يكن بالمعنى الاستراتيجيّ للكلام حوضًا لصراع مذهبيّ بلغ حدود الاحتراب المباشر، ووعاءً متفجّرًا، ما خلا المسألة الناشئة في سنة 2008 وانتهت بالتسوية الهشّة، التي تعادل فيها الفريقان السنيّ والشيعيّ في الكثير من المكاسب، وانتهت على حساب مسيحيي لبنان من رئاسة الجمهوريّة إلى مواقع كثيرة في الدولة أفضت إلى الصراخ وإطلاق الأسباب الموجبة الرافضة لتهميشهم انطلاقًا من مشروع اللقاء الأرثوذكسيّ الانتخابيّ. وعلى الرغم من الخلاف بل الصراع السعوديّ-الإيرانيّ المتفشيّ في المنطقة والمتورّم سياسيًّا كما يعرف الرئيس برّي، فإنّ خطًّا أحمر رسم للبنان تحت عنوان ممنوع الصدام المذهبيّ. الجميع مسّلمون بتلك المسلّمة ويرون أنّها جوهريّة في الحفاظ على استقرار لبنان ولو بالحدود الدنيا، لكنّ كمال الاستقرار يفترض الاعتراف من السنّة والشيعة على السواء، بحسب مصادر مسيحية،في الحيّز الطائفيّ والسياسيّ ما خلا حزب الله حتمًا المعترف جوهرًا واصلاً بالحقوق المسيحيّة، بأنّ الحلّ السياسيّ اللبنانيّ لا يكون إلاّ بإعادة الحقوق السليبة للمسيحيين من وجوديّة ومؤسساتية وماليّة وعقاريّة، وأكبر دليل على الحقوق السليبة ما يحصل في مسألة مشاع العاقورة عبر قرار وزير المال علي حسن الخليل، بتحويلها من ملكية لأهالي العاقورة إلى ملكية للجمهوريّة اللبنانيّة ضمن خطّة منهجيّة بغطاء وزاريّ ووجه حقوقيّ، أهدافها مبطّنة واستراتيجيّة رابطة بين مناطق وأخرى.
 
السياق الميثاقيّ،تقول المصادر المسيحية، ليس نظريًّا بل تجسيديّ، وما يحصل على الأرض في العاقورة يكمّل سياسيًّا الافتئات على حقوق المسيحيين، ويؤكّد صوابية عدم حضور وزراء التيار الوطنيّ الحرّ جلسة مجلس الوزراء، ويدعم زعمهم بأنّ المسألة غير متقوقعة في التمديد لقائد الجيش بل هي اكبر بكثير، وتختص بقضم حقوق المسيحيين ووجودهم رويدًا رويدًا.
واكدت المصادر انه اذا تم التأكيد على السياق الميثاقيّ كأساس جوهريّ، فهو يقوم على إعادة الحقوق السليبة لأصحابها فيستعيد الميثاق بكليّته بهاءه التجسيديّ والفعليّ المفقود، ذلك أنّ الميثاق عقد وعهد، قول وفعل، بين المسيحيين والمسلمين بالمحافظة على لبنان في كيانيته وجوهره، ولبنان، الوطن الوحيد والفريد، المتميّز بالحضور المسيحيّ، فلا ميثاق بلا مسيحيي لبنان ودورهم الكبير.
ويسوغ في هذا المقام الاستشهاد بمقدّمة كتبها الرئيس حسين الحسيني في كتاب قراءة في فكر المطران جورج خضر لمؤلّفه جورج عبيد، وهي تختصر الفلسفة الميثاقيّة بجوهرها قال فيها: «المطران خضر هو في طليعة الذين يحضّون على أن يعرف اللبنانيّ هويّته، وعلى أن تتأسّس تلك الهويّة على التزاوج الموضوعيّ بين اللبنانيّة كهويّة ذاتيّة والعروبة كهويّة جامعة. فالحقّ الطائفي لا يساوي شيئًا أقلّ من الحقّ الوطنيّ، والحقّ الوطنيّ لا يساوي شيئًا أقلّ من الحقّ القوميّ، والحقّ المسيحيّ، أو الحقّ الإسلاميّ هو الحقّ اللبنانيّ، والحقّ اللبنانيّ الحقّ العربيّ، ولا لبنان لطائفة واحدة (الطائفة القائدة)، ولا معنى للعروبة إذا لم تكن تعني الاعتراف بالطوائف وتعايشها وتفاعلها وتكاملها. ولا معنى للعروبة إذا لم تكن تعني قيام تأليف حسن ومنتج حضارياً بين هذه الطوائف. تأليف يقوم على تقديم نموذج متسامح من العلاقات بين البشر، لا يكون مداره مجرّد التسلّط، وبمعنى آخر، لا معنى للعروبة إذا لم تكن دافعًا إلى إحياء التجربة اللبنانيّة وتجديدها والحفاظ عليها، ولا معنى للعروبة إذا انعدم المثال اللبنانيّ».
الفلسفة الميثاقيّة هي هنا، ولا لبنان من دونها، وبعد هذا الكلام لا يسوغ كلام آخر، فاللبيب من الإشارة يفهم. فلنجسّد كلام الرئيس الحسيني في تلك المسائل الخلافيّة ولنحرص على حلّها بهذا التأليف الحسن الذي يعيد إلى المسيحيين حقوقهم، فيتكاملون مع شريكهم المسلم ويتحصّن لبنان بالشراكة الميثاقية، المتكاملة العناصر والمتوازنة مع نفسها، فهي ليست عقدًا عرفيا بل عهد كيانيّ ووجوديّ يحافظ على وحدة لبنان وسلامة أراضيه.
Tayyar.org News

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*