Latest News

في جبل محسن معارضة: سوريا والمقاومة ثابتتان!

ليا القزي-الحزب العربي الديموقراطي هو الأكثر نفوذاً في منطقة جبل محسن منذ سبعينيات القرن الماضي. «زعيمه» النائب الراحل علي عيد تحول عبر السنوات إلى مرجع، يُطالب بحقوق الطائفة. إلى جانب هذه الصورة له، يُؤخذ على آل عيد أنهم «ألغوا» أي صوت معارض لهم في الجبل. مع وفاة النائب عيد، وخروج ابنه رفعت من المنطقة، بدأ يظهر «الخرق» في الشارع عبر أصوات ترفع من حدّة انتقاداتها، مع التأكيد على عدم المساس بالثوابت: العمق الاستراتيجي تُمثله سوريا. لكن، يبدو من المبالغ فيه القول بأن حالة اعتراضية بدأت تتكتل في «البعل» تحضيراً لـ«الانقلاب». هي مجرد محاولة للقول إن في جبل محسن رأياً آخر
في خمسينيات القرن الماضي، طاف نهر أبو علي في طرابلس القديمة، قاضياً على أرواح أكثر من مئة طرابلسي. هذه كانت بداية نشوء منطقة المنكوبين بالقرب من القبّة وبمواجهة جبل محسن.
ومن حينه، رُسمت الحدود بين طرابلس الفقيرة وطرابلس الغنية، وانتشر «المنكوبون» في كلّ أحياء طرابلس القديمة. بعد طوفان الماء، طاف السلاح منذ ثورة عام 1958 وتأسيس «حركة 24 تشرين» في عام 1969 من قبل فاروق المقدم، ثُمّ إنشاء دولة المطلوبين في الأسواق الداخلية عام 1974، وصولاً إلى اندلاع شرارة الحرب الأهلية ودخول سرايا الدفاع التي أسسها رفعت الأسد إلى طرابلس في الثمانينيات وجولات الصراع في السنوات الأخيرة.
هذه الأحياء لم تعرف على مرّ تاريخها سوى الفقر والموت. هو المصير الواحد الذي تتقاسمه أحياء طرابلس القديمة. إلا أنّ واقعها ظلّ «أهون» من التمييز الذي يتعرّض له جبل محسن، وخاصة منذ ثمانينيات القرن الماضي. كان «النبذ» قدراً فُرض على أتباع الطائفة العلوية. «خطيئة» أبناء «البعل» أنهم ينتمون إلى طائفة توالي غالبية أبنائها نظام البعث الحاكم في سوريا وآل الأسد. كما أنهم «يدفعون الثمن» عن آل عيد الذين قادوا الحزب العربي الديموقراطي، والمتهمين من قبل جزء كبير من أبناء المدينة بأنهم «يتبعون» لآل الأسد، و(أخيراً) بضلوعهم بتفجيري مسجدَي التقوى والسلام، ولو أن التحقيقات الأمنية لم تثبت ضلوع أي منهم (آل عيد) في الجريمة.
لا لُبس في أن الحزب العربي الديموقراطي هو الأكثر نفوذاً في «الجبل». لكن ذلك لا يلغي وجود أصوات أخرى، على الرغم من أنها فشلت في كسب ثقة المواطن «العلوي». تعيد شخصية طرابلسية السبب ــ أولاً ــ إلى «موت الحياة السياسية ككل في طرابلس»؛ ثانياً، إلى أن «المعارضين يُعادون آل عيد ويُعادون بعضهم بعضاً»؛ وثالثاً، إلى أن «المدينة لم تكن مستعدة لاحتضان المعارضين خوفاً من خسارة جمهورها السني».
أحد العلويين المعارضين لآل عيد (يعيش خارج جبل محسن) يؤكد أن «هذه الطائفة التي أنتجت علي عيد وأحمد حبوس وعبد الرحمن عبد الرحمن، لا يجيّرها أحد لمصلحته». والتأييد الذي يلقاه العربي الديموقراطي «لا يعني أنه قوي، لكن العلويين مثل كل الطوائف بحاجة إلى مرجع في ظل الصراع المذهبي». وفي السياق نفسه، يعتبر الناشط السياسي، اليساري، ابراهيم حبيب أن «الطائفة مكبلة لأنه أريد لها أن يكون دورها أمنياً»، ولا يوجد «حالة قادرة أن تُعبر عن نفسها من خلال عمل مؤسساتي. مجتمعنا مجتمع ترهيب وترغيب وواقع اجتماعي يتخطى الجغرافيا باتجاه العمق (سوريا)». والمأساة، من وجهة نظره، أن «كل الجمعيات تجتهد تحت شعار الخدمة العامة، في حين أن العمل السياسي محظور عليها».
 
قبل ظهور النائب الراحل علي عيد، كانت الحركة اليسارية قوية في جبل محسن وكانت تلتقي مع الحركة الشعبية في باب التبانة. في السبعينيات، اعتُقِل عدد من أبناء البعل مع مؤسس الحركة النضالية في طرابلس علي عكاوي، (أبرزهم علي عجايا وعلي الحمصي وصلاح شمسين). الالتحام الطبقي، ساهم في نسف مظاهر التباين الطائفي، «إلى أن برزت حركة الشباب العلوي»، كما يُخبر أحد المعارضين لآل عيد والذي يسكن خارج جبل محسن. لكن ذلك لم يمنع عدداً من أبناء «الجبل» من الانضواء في «حركة المقاومة الشعبية» في التبانة، بقيادة العسكري الراحل خليل عكاوي (أبو عربي). من بين هؤلاء، المختار «العلوي» الوحيد الذي خرج رابحاً من الانتخابات الاختيارية الأخيرة (بمساعدة من أصوات أبناء التبانة)، علي عجايا، المعروف بـ»علي الثورة». يبدو المختار واثقاً وهو يقول «ما حدا بيحبّن (آل عيد)، لأنهم ينظرون إلى الناس كأنهم عبيد وهم المعلّم. هو الأسلوب الإقطاعي المتخلف». ولكنه يُدرك جيداً، أنه «طالما هناك تكليف من سوريا ما في غيرن. وفي المدينة كلهم كذابين… بدّن بيت عيد». يقول المختار إنه ممنوع من دخول سوريا بسبب «دزّة» من آل عيد، «أي شخص يُعارضهم يمنعونه من عبور الحدود عبر كتابة التقارير ووضع الأسماء على الحدود وهو أمر صعب كون جذورنا وعلاقاتنا الاجتماعية في سوريا».
في منطقة «البعل» قرابة الـ35 جمعية حاصلة على «العلم والخبر». في مكتب «الثورة» الاختياري، كان يجلس محمود مجذوب من «جمعية العمل الحسن» المستحدثة منذ سنة ونصف سنة «ومؤلفة من مجموعة من التجار». يقول إن الجمعية قامت بعمليات طلاء لجدران المباني الخارجية، ونظمت محاضرات وقدمت مساعدات، «الهدف الأساسي هو الانفتاح على المدينة». أغلبية أعضاء هذه الجمعية هم من سكان التبانة، «اتُّهمنا في فترة البلدية بأننا جماعة أشرف ريفي». ولكن، سياسياً «نحن مع المقاومة، رغم أن حزب الله مع العربي الديموقراطي. كل ما نحاول قوله إن هناك جهات أخرى في الجبل». في مقابل الخطاب الرافض لآل عيد، بعض الجمعيات لا تُمانع التعاون مع العربي الديموقراطي. «الأبرز على الأرض هما جمعيتا روح الشباب ولبنان المحبة»، استناداً إلى مسؤول في إحداهما (رفض الإفصاح عن اسمه بسبب العمل المشترك مع باب التبانة): «نحن لدينا قدرات أن نعمل كشباب من دون سياسة». هذا هو الخطاب الذي يُثلج قلب العربي الديموقراطي. لهذه الجمعيات رأي آخر بـ«الحزب»، فيتم «التنسيق مع العربي الديموقراطي من أجل أن نُكمّل حاجات بعضنا بعضاً».
من الشخصيات المعارضة للحزب طبيب الأسنان نصر خضر (والد محافظ بعلبك ــ الهرمل بشير خضر)، الذي تقع عيادته في شارع المعرض في طرابلس. يبدأ خضر حديثه بالتسليم بأنه «لا شك للحزب العربي بصماته في الطائفة، ولكن لا يوجد قوة تجييرية. أنا عالأرض مش شايف أهميتهم». يقول إنه في الفترة التي حكم فيها آل عيد، «كان الناس يخافون منهم». نفوذهم «سببه الإعلام القوي لديهم وتهديد الناس والوجود السوري»، وهناك أمر آخر يعتبره خضر شديد الأهمية، وهو «مَنع الناس من الذهاب إلى سوريا». خضر مرشح دائم إلى الانتخابات النيابية منذ عام 2000، «عندي مجموعتي وكياني وعائلتي»، إلا أنه غير قادر على توحيد جهوده مع بقية الجمعيات والشخصيات المعارضة للحزب العربي «لأنه لدى كل واحد طموح سياسي يمنعه من وضع اليد بيد الآخر». ولكن خضر نفسه، الذي يطرح نفسه كخيار بديل في الشارع «العلوي» يُفرمل اندفاعته تحت حجة «ما فيي حط دم برقبتي واستعمل العنف تأفرض حالي».
لا يسلم المجلس الإسلامي العلوي من الاتهامات بأنه «مُعين» من قِبل آل عيد «الذين يُصادرون قراره». ينفي عضو المجلس الشيخ يحيى الماما ذلك: «يجب التمييز بين الحزب وعلي يوسف عيد الذي يُمثل رمزاً عمل على تحصيل حقوق الطائفة ورابطنا به ديني». بعد وفاته «رجعنا لورا، ثم أُلصقت تهمة تفجير المسجدين برفعت عيد. حاولوا تعرية الطائفة». هذا الموقف «الإيجابي» من المجلس العلوي تجاه آل عيد، قوبل بانتقادات من قبل جمعيات تُحاول أن تجد لها موطئ قدم في «الجبل» تتهم المجلس بأنه يعمل على محاربتها. للمرجعية الدينية رأي آخر، «نحن لسنا ضدّ أحد، ولكن تأسيس جمعية لا يتم على أنقاض الآخرين. لا نُعارض أن يكون لهم خطاب سياسي ومن حقهم أن لا يحبوا آل عيد، ولكن ليس من حقهم انتقاد من يُحبهم». يجلس الشيخ الماما في مكتبه في دار المجلس، قائلاً إنه بالمفهوم التقليدي لكلمة مرجعية «لا يوجد في الطائفة العلوية. هناك مرجعيات عدّة. كان من المفترض أن يكون النائبان هما المرجع، لكنهما غائبان». وبالمناسبة، عند الحديث عن معارضي آل عيد بين العلويين، يصعب العثور على من يذكر النائبين العلويين في البرلمان، المنتميين إلى كتلة المستقبل، بدر ونّوس وخضر حبيب.
«العلويون» في جبل محسن يُعانون الأمرّين، تماماً كما باقي اللبنانيين. جُلّ ما يريدونه هو أن يحصلوا على أبسط حقوقهم الحياتية، وأن لا يقطع عليهم أحد طريقهم إلى سوريا. لهم في تلك البقاع، صلات اجتماعية وحياة أخرى. الصورة النمطية «سَوْرَنَتْهم» فيما هم يُصرون على لبنانيتهم. والشخصيات المعترضة تنقسم إلى قسمين. القسم الأول، «يُنظّر» على أبناء منطقته وهو لا يجرؤ على أن تطأ قدماه «البعل». والقسم الثاني، يعتقد أن بإمكانه تشكيل حالة اعتراضية عبر رفع عناوين اجتماعية. ما يجمع بينهما، تأكيدهما على ثابتتين: سوريا والمقاومة. أما قيادات طرابلس، التي تدّعي غيرتها على «التمثيل العلوي»، فقد ساهمت في ليّ ذراع هذه الجماعة وإطباق الحصار عليها. «الانتقام» من هذه «القيادات» نفذه «العلويون» في الانتخابات البلدية الأخيرة، فبدأت حركة الاتصالات لمحاولة فتح ثغرة في الجدار بين «البعل» ومدينته.
الحزب العربي الديموقراطي: مش شايفين حدا
في مكتب الحزب العربي الديموقراطي في جبل محسن، يجلس عضو المكتب السياسي علي فضة، معيداً التذكير بأن معركة الحزب «كانت في الانتخابات الاختيارية عبر لائحة تضم عبد الرحمن عيد، يوسف الحوري، ابراهيم خانات وسمير السلوم. الإنجاز أن معظم الذين كانوا ضدنا لم يحصلوا على ربع عدد الأصوات التي حصلنا عليها في جبل محسن». ولكن ما حصل أن «نسبة الاقتراع في التبانة شكلت الفارق». أما في البلدية، فكان العربي الديموقراطي قد قرر «معاقبة» تكتل لائحة التوافق التي تريد أصوات «العلويين» من دون البحث معهم باختيار ممثليهم، «كانوا عم يترجّونا ننزل ننتخب بعد ما حطّونا عجَنَب».
يُستفزّ فضة من الاتهامات بحق آل عيد، فيعود إلى خبريات «مخبرني ياها الأستاذ علي» عن كيفية عودته من الولايات المتحدة الأميركية «مع خلفية ثورية»، وعمله من أجل «رفع المظلومية عن العلويين الذين كانت الوظائف تُمنع عنهم». كما أنه يُنكر أن يكون الحزب قد منع أحداً من الدخول إلى سوريا، «كلّن بضلّن يطلعوا». هو يُميز بين المعارضين للحزب، «فالكثير من الناس لا يظهرون عاطفة لنا لأننا تحولنا في فترة إلى فزاعة حقيقية». يُقدم مثالاً على ذلك أحد الشباب «الذي نشط مع حركة حماة الديار، الذي قال لي إنه لا يُمانع الانتساب إلى حزبنا. حتى سرايا المقاومة لم تستطع أن تجد موطئ قدم لها هنا». باستثناء النائبين بدر ونوس وخضر حبيب «مش شايفين حدا».
حتى حزب الله «لو وجد بديلاً شعبياً حقيقياً، لما بقي حليفنا. مشكلته معنا أننا نتعامل معه بندية». ماذا عن الأفراد المستقلين والجمعيات الناشطة؟ «طالما هني مع المقاومة وسوريا يعملوا يللي بدن ياه، بس ما يشتغلوا أمن». لا مانع من ممارسة السياسة لمن يريد، «ولكن لا يوجد لديهم أسس، فطبيعي أن ينتهوا لوحدهم». ولكنه عملياً، لا يريد من هذه الجمعيات سوى أن تشتغل الأعمال الخيرية، «نتكامل هنّي الاجتماعي ونحنا السياسة. ما دورنا نشتغل خيري».
Tayyar.org News

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*