Latest News

الخط الساخن للفتاوى بالإمارات.. نموذج للإسلام المعتدل أم محاولة للسيطرة على الدين؟.. ولماذا الاستعانة بالمغربيات؟

هافينغتون بوست عربي –
ترفع الشيخة نعيمة نظارتها لتأخذ رشفة من الماء، إلا أن هاتفاً كبيراً رمادي اللون على مكتبها يومض مرة أخرى. إنها التاسعة صباحاً وقد تلقت بالفعل 11 مكالمة هاتفية حتى هذه الساعة. المتصلة على الجانب الآخر هي في محنة حقيقية.
 
تقرير لصحيفة الغارديان البريطانية رصد تجربة الخط الساخن للفتاوى في الإمارات وهل يشكل نموذج إسلاميا معتدلاً يتصدى للتطرف الموجود في كثير من الدول الإسلامية أم هي محاولة من الدول للسيطرة على مصدر الفتاوى؟
 
“السلام عليكم”، هكذا تبدأ الشيخة نعيمة بنبرة هادئة. تخبرها المرأة بأنها أنجبت مرتين، وأن كلا الطفلين ولد ميتاً، والآن هي حبلى مجدداً، ويخبرها الطبيب أن الجنين تبدو عليه مضاعفات خطيرة، وأنه سيموت على الأغلب، وتريد أن تعرف ما إذا كان الإسلام يسمح لها بالإجهاض. وبعد تفاصيل أخرى قليلة، أصدرت الشيخة نعيمة فتواها، إذ قالت “إذا كان الجنين مصاباً بمرض شديد ولن ينجو منه، فمن الممكن أن تجري عملية الإجهاض. يجب أن تأخذي المشورة من طبيب، وهو من سيرشدك. الدين لا يتعارض مع الطب”.
 
تشرح الشيخة نعيمة قائلة إن الإجهاض مسموح به في ظل ظروف معينة، وهي أن يكون في أول 120 يوماً من الحمل، أو 17 أسبوعاً إذا كان الأطباء يرون أن الطفل لديه تشوهات تهدد حياته.
 
الفتوى هي حكم ديني غير ملزِم، وتُبنى غالباً على أساس الأحاديث الواردة عن النبي محمد، وفي هذه الحالة يقول الدين بأن الروح تدب في الطفل بعد 120 يوماً من الحمل. بعدما أنهت الشيخة نعيمة مكالمتها، جلست على مكتبها وقالت “دائماً ما تكون أيام الخميس هادئة”.
 
 
مركز الافتاء
 
نحن في مكتب صغير وضيق للخط الساخن للفتاوى في الطابق الثامن من مبنى الهيئة العامة للشؤون الإسلامية والأوقاف في أبوظبي. 
يدار الخط الساخن للفتاوى من ذلك المبنى الحكومي المجاور لأحد المتاجر على امتداد طريق مؤدي إلى المياه الفيروزية شاحبة اللون للخليج العربي. خلف أجهزة كشف المعادن، يقوم موظفي الاستقبال المهذبون بتوجيه الزوار.
 
يقف موظف بنغالي لتحية الزوار في بهو المبنى من خلال تقديم القهوة لهم.
على الحائط في الطابق الأول من المبنى، يمكن رؤية لوحة للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما يركع أثناء الصلاة مرتدياً نظاراته الكبيرة.
تعمل الأوقاف بنظام هادئ، يمكن سماع أزيز مكيفات الهواء بينما يتنقل رجال الدين الذين يرتدون الجلباب الأبيض والكوفية البيضاء الطويلة بين المكاتب، ويحملون أوراقاً وكتباً ثقيلة. تختلط رائحة البخور بذلك الهواء البارد.
 
في مكتب الخط الساخن، يمكن أن تشعر ببرودة القطب الشمالي بسبب درجة الحرارة المنخفضة لمكيف الهواء. الغرفة صغيرة، والمكاتب متلاصقة داخلها. سينتقل من فيها إلى مكتب أكبر بُنِي خصيصاً لهم خارج ذلك المبنى على بعد عدة كيلومترات.
 
على مدار 8 ساعات يومياً، ولـ 5 أيام أسبوعياً، تتلقى الشيخة نعيمة وزميلتين لها استفسارات النساء، والرجال في بعض الأحيان، من جميع الخلفيات والمستويات: الأغنياء والفقراء، الشباب والشيوخ، المتدينين والمتشككين، ويساعدنهم في التعرف على القواعد والأحكام التي على المسلم اتباعها في حياته.
 
يحمل المركز اسم “مركز الافتاء”، وهو الوحيد في الشرق الأوسط الذي يملك فريقاً نسائياً مؤهلاً بأعلى المؤهلات، ويعمل لدى الدولة، لإصدار الفتاوى الشرعية.
 
تعمل النساء داخل القاعة جنباً إلى جنب مع زملائهن من الرجال، إذ يبلغ العدد الإجمالي 47 مفتياً يقومون بالمهمة ذاتها.
 
تشير اللافتة البيضاء الكبيرة في القاعة الخارجية أمام مكتب الفتوى، إلى أن مهمة الأوقاف هي “تعزيز الوعي والتقدم الاجتماعي، وفقاً لتعاليم الإسلام السمحة التي تفهم الواقع الراهن وتتعامل مع التحديات المستقبلية”. الكلمة الأهم هنا هي “التعاليم السمحة”.
 
في كل صباح تتنوع الاستفسارات بين “هل يمكن أن يعمل الرجال والنساء معاً في مكتب واحد؟” والإجابة هي نعم، وبين أسئلة من نوع “هل يمكنني أن أصوم في رمضان أثناء فترة الحيض؟” والإجابة هي لا.
 
تتحدث الشيخة نعيمة بلهجة مقنعة ومهنية. تسأل المتصلة التالية “إذا خرجت بعض الأصوات من المنطقة التناسلية بينما أصلي، هل يبطل ذلك الصلاة؟”.
 
تجيب الشيخة نعيمة قائلة “هذا ليس ناتجاً عن غازات البطن. ولذلك فصلاتك صحيحة. هذه المشكلة شائعة بين النساء اللواتي أنجبن”.
 
وبينما تُغلق الخط، تقوم بضبط ذلك الحجاب الأسود حول رأسها، والذي يؤطر نظرتها الصريحة، وتعبيراتها الساخرة. تعطيها زميلتها، الشيخة راضية، كوباً من القهوة. تقول “لم يعد هناك أسئلة غريبة بالنسبة لنا، لقد سمعنا كل شيء”، يضحكن بعدها.
 
 
لماذا المغرب؟
 
الشيخة نعيمة هي من علماء الدين اللاتي يحظين باحترام كبير، وهي من المغرب، وهي في مطلع الأربعينات من عمرها، وتعمل في مركز الفتوى منذ ثماني سنوات.
 
في زيارتي الأولى للمركز، لاحظت أن أظافرها تحمل طلاء أظافر بلون برتقالي مع حناء على يديها، وترتدي عباءة سوداء معتادة لدى النساء في دول الخليج.
 
تحاول النساء في مركز الفتوى تصحيح اختلال التوازن بين الجنسين في المجال الديني.
 
الحياة الدينية في الإمارات، كغيرها من دول الشرق الأوسط، يهيمن عليها الرجال، فأغلب الوعاظ هم من الذكور.
 
في الدين الإسلامي، وعند الدعوة للصلاة لخمس مرات يومياً، يسرع الرجال إلى المسجد للصلاة، بينما يفترض على النساء أن يصلين في المنزل. وبالتأكيد، فعالمات الدين من النساء هن أمر نادر الوجود.
 
تقول الشيخة راضية “نحن نعرف أنه من غير المعتاد أن تسمع عن امرأة تعمل مفتية أو شيخة، لأنها على الأغلب وظيفة للرجال، ولكن من المهم للنساء أن يجدن من يساعدهن. عندما نتواصل مع نساء أخريات، نفهم جيداً كيف يفكرن”.
 
تبذل الشيخة راضية والشيخة نعيمة، مجهوداً كبيراً لمواكبة حجم الاستفسارات اليومية، والذي يصل إلى 200 اتصال ورسالة وبريد إلكتروني يومياً، وأغلبها تأتي من نساء.
 
كان ذلك الخط الساخن ناجحاً للغاية، لدرجة أنه جرى إرسال 6 إماراتيات شابات إلى جامعة محمد الخامس في أكدال، في منح مدعومة من الدولة ليصبحن مفتيات.
يتم تعيين المفتيات المتحدثات بالإنجليزية أيضاً، ولكن هذا الأمر صعب إيجاده للغاية، تقول الشيخة نعيمة “إذا كنت تعرف أحداً مؤهلاً لذلك فأخبرنا من فضلك”.
 
 
الإسلام الحقيقي
 
من بين الخريجات من تلك المنحة، مريم الزايدي، والتي تبلغ من العمر 26 عاماً، وتقول “نحن نحاول أن نعرِّف الناس بالإسلام الحقيقي”.
 
وأضافت أن الدولة تتعامل مع التعليم الديني للنساء بجدية، إذ تقول “حصلنا على منح كاملة، لم ندفع أي شيء. كان لدينا سيارة تنقلنا للمحاضرات إذا أردنا، بالإضافة إلى سكن خاص، كما حصلنا على أموال لننفقها”.
 
وترى الزايدي إن الحكومة تعيد إحياء تقليد قديم، وتقول “كانت النساء في عهد النبي يعلمن الناس، كان النساء والرجال يشاركون معاً في ذلك”.
 
 
الأمور الحميمية
 
ويتناول الخط الساخن أيضاً الأمور الحميمية للمسلمات دون أي تدخل من الذكور، مع وعد كامل بعدم الكشف عن الهوية، ولكن عالمات الدين هن أيضاً جزء من استراتيجية الحكومة طويلة المدى للوصول إلى خطاب ديني معتدل ودعم الإناث في وقت ينتشر فيه التعصب الديني والطائفية في الشرق الأوسط.
 
وترى المجموعات الجهادية مثل تنظيم “الدولة الإسلامية”(داعش) وحركة طالبان، أن إقصاء المرأة من الحياة العامة هو مقوم أساسي للدولة التي تحكمها الشريعة.
 
عندما حُرِقت رواية “آيات شيطانية” للكاتب سلمان رشدي في أنحاء العالم الإسلامي عام 1989، وقُتِل مترجمها إلى اليابانية في طوكيو، أصبح مصطلح “فتوى” مرتبطاً في بعض دول الغرب بالحكم الفوري بالإعدام، ولكن في حقيقية الأمر، الفتوى هي رأي شرعي يساعد المسلم الملتزم في حياته، كما لا يوجد ما يفرض عليه الالتزام بها.
 
مركز أبوظبي للفتوى ليس جزءاً من النظام القانوني للدولة، والذي يقوم على مبادئ المذهب المالكي المعتدل، بالإضافة إلى بعض القوانين من أنظمة أوروبية مختلفة، حسب تقرير الغارديان .
توجد في البلاد محاكم شرعية ومحاكم مدنية تعمل بالتوازي وتغطي مختلف أجزاء القانون.
 
في بعض القضايا يستوجب الأمر استشارة مفتي أو مفتية، ولكن القاضي وحده هو من يحدد الحكم الملزم قانونياً.
 
 
درجات السلوك البشري
 
يقسم الإسلام درجات السلوك البشري إلى 5 تصنيفات، وهي: الفرض، والمستحب، والمباح، والمكروه، والمحرم. وتخبر عالمات الدين النساء المتدينات بموقع ما يفعلنه وسط ذلك التصنيف، كما أن الفتوى ليست قانوناً واجب النفاذ، وإذا لم يعجب السائل ما رآه المفتي، فبإمكانه أن يسأل غيره في مكان آخر.
 
ومع ذلك، فالفتوى ليست رأياً، فهي لها شروط واضحة ويجب أن تكون قائمة بالأساس على سند من القرآن أو الحديث، أو آراء السابقين على مدار 1400 عام من تاريخ الإسلام، وفي بعض الحالات النادرة إن لم توفر كل تلك المصادر الإجابة الشافية، يستخدم المفتي المنطق المحكم في تقديم فتوى جديدة. ربما تغيب تلك القواعد عن الكثير من رجال الدين، ممن يحصلون على الإجابات من خلال بحث سريع عبر الإنترنت، إذ يمكنك أن تجد فتاوى تبيح قتل الأسرى، أو استعباد النساء جنسياً كما يفعل تنظيم داعش، وهو الأمر الذي دفع دولة الإمارات لاتخاذ خطوات حقيقية لتوجيه الناس نحو العلماء الموثوقين.
 
تقول الزايدي “ليس كل ما ينشر على الإنترنت صحيحاً. أنت تسأل سؤالاً بسيطاً وتجد الكثير من الآراء. أرى أنه من الأفضل أن تستعين بمتخصص إذا كان لديك مشكلة”.
 
يقول البروفيسور جاستين ستيرنس، وهو أستاذ أميركي مشارك ورئيس أحد البرامج بفرع جامعة نيويورك في أبو ظبي، “أغلب الأسئلة من المسلمين تكون بشأن علاقتهم مع الله، وقدرتهم على تنفيذ ما عليهم ليحصلوا على ما يريدونه في الآخرة”. 
قابلت ستيرنس في مقهى في الحرم الجامعي مترامي الأطراف الذي يحيط به أميال من الرمال في جزيرة السعديات على الجانب الشمالي من أبوظبي.
 
كان ستيرنس يضيف إلى حديثه بعضاً من الحديث العربي الطليق، بينما يكتب على حاسوبه الشخصي، ويقول “بالحديث عن عالم الآراء الدينية، إذا كنت مسلماً عادياً، فسترغب في شخص ما بإمكانه أن يفصِّل لك في الأمور التي تختلط عليك والتي تتعلق بالدين. هنا، الدولة تقوم بهذا الدور”.
 
 
سلطة نهائية
 
الأوقاف في الإمارات هي السلطة النهائية في كل ما يتعلم بالإسلام، كما تقوم بتمحيص كل النصوص الدينية التي تدعو للتطرف، ويتم التحقق من موثوقية جميع الأئمة.
 
وتملك الكثير من الدول مفتياً رسمياً أو داراً للإفتاء، ولكن كل تلك الدول لم تضع شروطاً واضحة تقول بأنه لا يسمح لأحد آخر في البلاد بإصدار الفتاوى.
 
تقرر لجنة خاصة من علماء الدين محتوى خطب الجمعة التي تلقى في جميع المساجد من جانب الأئمة الذين يتقاضون رواتبهم جميعاً من الدولة، ويمنعون من الخروج عن الموضوع الأصلي والذي غالباً ما يتناول القيم المعتدلة، كاحترام الأقليات الدينية في البلاد كالمسيحيين، واحترام المرأة.
 
في إحدى الخطب التي حضرتها كان الحديث حول حق البنت في اختيار زوجها، في حين أنه في بعض الأحيان تتجه الخطب لأمور دنيوية مثل دعوة الناس للالتزام بقوانين المرور.
 
 
سيطرة غير معتادة على الدين
 
هذه الدرجة من السيطرة على الأمور الإيمانية هي غير معتادة على الإطلاق في العالم الإسلامي. يقول الداعية اليمني الحبيب علي الجفري، رئيس ومؤسسة منظمة طابة، وهي مؤسسة دعوية تمولها الدولة مقرها أبوظبي “ما وجدناه خلال الثلاثين عاماً الأخيرة، هو أن هناك عدداً من الأئمة غير المحليين لديهم شكاوى سياسية طويلة الأمد ضد بلدانهم، وأن هؤلاء يلقون الخطب”.
 
وبينما قابلته في مكتبة مؤسسة طابة، أضاف “لدينا نفس المشكلة في الفتاوى، والتي كانت متناقضة، وغير رسمية، وكان الناس يحصلون عليها من أي مكان. ولإحداث السيطرة والتوازن بدأنا تبسيط العملية، وكان تعيين مفتيات من النساء جزءاً من تلك العملية”.
 
يدرك الجفري بشكل مباشر كيف يمكن لوسائل الاتصال المعاصرة أن تنشر الكراهية، فلديه 3.5 مليون متابع على موقع تويتر، وقد وجد أن تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) قد أصدر فتوى على موقع تويتر تبيح قتله.
 
يقول الجفري “هذا هو الواقع الذي نعيشه”، قال ذلك بينما أعطاني علبة من عصير الرمان، وأضاف “كما أخبرتك، داعش وأشباهها يحاولون خلق حاجز لمنع الناس من التفاعل مع العلماء. إذا تفاعل الناس العلماء من أصحاب المعرفة الحقيقية مثلنا، فسوف يكتشفوا حقيقة تلك التنظيمات”.
 
 
داعش
 
وفي دراسة أجرتها منظمة طابة ومركز زغبي للأبحاث في واشنطن، أُطلِقت مطلع هذا العام، وجهت الدراسة سؤالا لـ5374 من المسلمين العرب بين 15 و34 عاماً في ثماني دول مسلمة، حول مدى انحراف تنظيم داعش وأشباهه عن تعاليم الدين الإسلامي، فكانت الإجابة في الإمارات هي أن 92% يرون أن التنظيم منحرف بالكامل عن الإسلام، في مقابل 45% فقط في الكويت على سبيل المثال.
 
تقع دولة الإمارات جنوب غرب الخليج العربي، وتحديداً بين اثنين من المنافسين الأقوياء في المنطقة: إيران والتي يفصلها عنها ممر مائي ضيق شمالاً، والسعودية في الجنوب. ومنذ نصف قرن، كانت الإمارات دولة فقيرة، ذات مجتمع متجانس يقوم على العلاقات القبلية المتماسكة، وهو ما كان شرطاً أساسياً للنجاة وسط ذلك المناخ القاسي، والأراضي غير الصالحة للزراعة، والمياه الشحيحة، بالإضافة إلى درجات الحرارة التي تصل إلى 50 درجة مئوية. وجرت هيكلة المجتمع وقيمه حول العقيدة الإسلامية والعادات والأعراف القبلية، كما كانت النساء في أغلب الأحيان بعيدات عن أعين العامة.
 
وغير اكتشاف النفط في البلاد في خمسينيات القرن الماضي من حال البلاد بشكل جذري، إذ تمتلك الإمارات سابع أكبر احتياطي نفطي في العالم، وقد أُعيد توجيه العائدات الكبرى من النفط لتحويل المجتمع من اقتصاد يقوم على الصيد والتجارة فقط، إلى دولة تمتلك اقتصاد يقوم على التمويل والعقارات والسياحة.
 
وكان الهدف من ذلك حلق مجتمع قادر على التكيف والاستمرار بعد نفاذ النفط والغاز. ومع ذلك، فالحداثة لا يعني بالضرورة الديمقراطية، إلا أن الحكام الذين يتوارثون الحكم في البلاد شجعوا مؤخراً مشاركة المرأة في الحياة العامة، ففي فبراير/شباط 2016، عُينت خمسة من النساء في مجلس الوزراء. وحتماً، فمن المؤكد وجود توترات بين الحداثة وبين القيمة الإسلامية التقليدية.
 
 
هل نخالف الإسلام؟
 
فالكثير من المسلمات في أبوظبي، سواء من الإماراتيات أو الأجانب، يعبرن عن مخاوفهن سراً. هل يخالفن تعاليم الإسلام بالعمل مع الرجال خارج المنزل على سبيل المثال؟ هل من المسموح تأخير الإنجاب؟ هل من الممكن تناول وجبة في مطعم يقدم الكحوليات؟ تحاول مفتيات أبوظبي رأب الصدع بين القيم القديمة والحديثة، مع الأخذ في الاختبار نمط حياة النساء الحالي.
 
على الرغم من الجهود الرامية لتغيير اعتماد الاقتصاد على النفط، تظل غالبية عائدات البلاد من قطاع النفط والغاز. وتحتاج الامارات لاستثمار أجنبي وعمالة أجنبية لبناء اقتصاد ما بعد النفط.
 
ولا يمكن للبلاد أن تتحمل عنف الإسلاميين المتطرفين، خاصة ذلك النوع الذي دمر اقتصادات مستقلة قائمة على السياحة مثل مصر وتونس. ويأتي غالبية المغتربين في الإمارات من دول جنوب آسيا والشرق الأوسط، ويبتعدون عن بلدانهم التي يمثل الأئمة ورجال الدين أساس مجتمعاتهم.
 
ولدى الأوقاف في الإمارات 14 خطا تليفونيا من بينهم خطوط الإفتاء للرجال والنساء، وتجيب تلك الخطوط عن أكثر من 1000 استفسار يومياً، تصل إلى 3000 استفسار يومي خلال شهر رمضان. وتقدم الدولة هذه الخدمة بالعربية، والإنجليزية، والأردية، وهي أكثر اللغات شيوعاً في البلاد. ويصدر رجال الدين الفتاوى طبقاً للمذاهب الإسلامية الأربعة. ويأتي ذلك التسهيل في التواصل لتشجيع السكان المحليين للاتجاه نحو الإفتاء المحلي بدلاً من مثيري الفتن على موقع يوتيوب.
 
 
تأكيد للسلطة
 
يقول ستيرنس “إحدى الطرق التي تؤكد بها دولة الإمارات سلطتها هو حمايتها للإسلام. تدعم الدولة الدين، وتسعى لإيجاد مسجد في كل مجمع سكني في أي مدينة، وتوفر لك سهولة الوصول لعلماء الدين. الدولة ترى في ذلك واجباً عليها وخدمة تقدمها لمواطنيها”.
 
ونجت الإمارات إلى حد كبير من ثورات الربيع العربي، إذ ما زالت العائلات الست الملكية التي تشكل الاتحاد الفيدرالي على رأس السلطة. المجتمع الإماراتي مفتوح نسبياً بالمقارنة مع دولة الخليج الأخرى كالسعودية. يمكن للنساء في الإمارات قيادة السيارات، والذهاب للمدارس، والخروج من المنزل. لا يفرض القانون ارتداء الحجاب، ومع ذلك فإن أغلبية النساء الإماراتيات يرتدينه.
 
 
الإرهاب
 
ولم تواجه الإمارات هجمات إرهابية، باستثناء القضية الوحيدة والغريبة لسيدة تدعى آلاء الهاشمي. في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2014، طعنت الإماراتية آلاء الهاشمي (30 عاماً وأم لستة أطفال) مدرساً أميركياً حتى الموت في دورة مياه بأحد مراكز التسوق الفاخرة بأبوظبي.
 
وقالت المحكمة إن الهاشمي اعتنقت فكرة المتطرف من خلال أدبيات تنظيم القاعدة على الإنترنت، قبل أن يتم إدانتها وإعدامها رمياً بالرصاص في يوليو/تموز 2015.
 
في الإمارات، لا تملك المفتيات أية سلطة سياسية أو قانونية، إلا أن لهن تأثيراً قوياً وخفياً على المجتمع من خلال تشكيل قيمه، ليس فقط بعملهن في مركز الفتوى، ولكن في مساجد العاصمة، والتي يلقين فيها محاضرات للنساء.
 
ذات مساء حضرت إحدى المحاضرات بمسجد الشيخ حمدان على مشارف أبو ظبي. كانت المتحدثة هي ابتهال الشمسي، وهي مدرسة إماراتية متقاعدة تبلغ من العمر 57 عاماً ومن بين حفظة القرآن.
 
تضئ مآذن المسجد بالأضواء الخضراء المتوهجة التي تضئ السماء الصحراوية السوداء. في الخارج، تستقل مجموعة من الصغيرات الحافلة التي ستأخذهن لمنازلهن بعدما انتهوا من درس القرآن. وكما هو الحال في جميع المساجد، يحتل القسم النسائي الجزء الخلفي من المسجد. أسير على درج ضيق من الرخم بلون أخضر في حين تفوح رائحة خشب الصندل من ساحة الصلاة. يمكنني سماع الشمسي قبل أن أراها.
 
 
لا تنظر للنساء
 
كانت تقول مخاطبةً الحشد “لا يمكن للرجال النظر للنساء سوى في حالات محدودة. إذا كانوا زملاء في العمل على سبيل المثال، أو إذا كان ذلك في محكمة، أو إن كان متقدماً للزواج منها. خلاف ذلك، عليه أن يغض بصره وأن يكون مهذباً، وألا يسترق النظرات. بالنسبة للنساء، أنصح ألا يخرجن بالكثير من مساحيق التجميل، أو الملابس القصيرة والضيقة”.
 
هذه هي النقطة الخفية: على النساء أن يعتدلن، ولكن على الرجال أيضاً تحمل مسؤولية سلوكهم. تجلس 30 امرأة في دائرة حول السيدة على ذلك البساط الأخضر، ويتفقن معها فيما تقول. كان عدد قليل بينهن في العشرينات، إلا أن الغالبية كانت أكبر. بعضهن يرتدين النقاب، وهو ما ترتديه النساء البدويات في الإمارات عادة.
 
بعد ذلك، قامت النساء بتحية الشمسي بمودة وقدمن أطباقاً من الطعام. هي لا تصدر الفتاوى، ولكن وضعها كحافظة للقرآن يمنحها ترخيصاً للحديث عن الموضوعات التقليدية في العالم العربي.
 
تحذر من مشاهدة الرجال للمواد الإباحية لأنها تجعلهم “يفقدون خلايا المخ”، بالإضافة إلى تحريم الجنس الشرجي.
 
جلسنا في ركن غرفة أنيقة مزينة بآيات من القرآن المنحوتة بألوان ذهبية على الجدران، سألتها ما إذا كانت لا تشعر بالحرج لدى طرحها لتلك الموضوعات الحساسة. أجابت قائلة “النساء تحب ذلك لأنها موضوعات مهمة. هذا المكان تأتي إليه النساء لتناقش كل شيء بشكل مفتوح وبأمان تام”.
 
في بعض الأحيان تكون هي من يحدد موضوع الحديث، وفي بعض الأحيان يقرر علماء الأوقاف. في نهاية اليوم، تمنح ملاحظاتها لمحة عامة عما حدث (مع حذف التفاصيل التي قد تساعد في التعرف على النساء)، وتقدم تلك الملاحظات لمسؤولي الأوقاف، والذين لا يبحثون خلف القضايا الأخلاقية والشخصية، بل حول أي تدعيم محتمل للتطرف الإسلامي.
 
 
رقابة شديدة منذ الربيع العربي
 
منذ بداية الربيع العربي، يخضع الجميع لرقابة شديدة. في تلك المحاضرات التي حضرتها مع المتحدثات النساء، لم تناقش إحداهن أي أمر سياسي، ولكن في هذا المساء، بعدما أنهيت حديثي مع الشمسي، جاءت امرأة إماراتية طويلة القامة ثقيلة الوزن، بينما بدا عليها القلق.
 
صاحت وأشارت بعنف قائلة “لماذا تُقتل النساء والأطفال في سوريا؟ إذا كنت أصلي وأقتل، فسأدخل النار أيضاً، لن تنفعني الصلاة”.
 
وأضافت بينما تجذب قلمي من يدي “كمسلمة، لا يسمح حتى بأن أسرق مثل هذا القلم”. عم الصمت على الغرفة، ولكسر ذلك التوتر، وزعت إحدى السيدات أكواباً من السحلب، وهو مشروب ساخن.
 
انطلق الخط الساخن للفتاوى في 2007، وفي العام التالي، سافر فريق من علماء الدين إلى المغرب لتعيين كفاءات نسوية، إذ إن المغرب أيضاً يعتنق المذهب المالكي في الإسلام، وكانت الإمارات في ذلك الوقت تفتقد للنساء المؤهلات.
 
لم يكن من السهل للمرأة أن تصل للتعليم الجامعي من قبل، فالشمسي على سبيل المثال هي حالة نادرة وسط جيلها بحصولها على درجة جامعية. في عام 1980، لم تتجاوز نسبة النساء الحاصلات على تعليم جامعي في الإمارات 2.7%، ولكن اليوم تفوق النساء الجامعيات أعداد الرجال في تلك المرحلة، إذ يمثلن 70% من قوام الجامعات الحكومية.
 
في المقابل، لدى المغرب تاريخ طويل من التعليم الجامعي للنساء، فالشيخة راضية والشيخة نعيمة كن قد تخرجن حديثاً عندما جئن للعمل. تقول الشيخة راضية “وُجِّهت لنا الكثير من الأسئلة خلال المقابلات الشخصية. كانوا يريدون التأكد من أننا على علم وأننا معتدلات”.
 
وحصلت الشيخة راضية على درجة الدكتوراه في العلوم الإسلامية من جامعة محمد الخامس، وتخصصت في الفقه الإسلامي. كانت أطروحة الدكتوراه التي قدمتها حول الرد الإسلامي على المعتقد المسيحي بأن المسيح هو ابن الله. كان لديها مئات الأحاديث في متناولها وبإمكانها شرح وتفسير معناها وسياقها التاريخي بسهولة.
 
على الجانب الآخر، حصلت الشيخة نعيمة على درجة الدكتوراه من جامعة الحسن الثاني في الدار البيضاء، وهي من حفظة القرآن الكريم، وهي ابنة لصانع أثاث من الدار البيضاء، وقد نشأت في أسرة متدينة، ولم يكن من المستغرب أن يكون عملها الاحترافي في الدعوة الإسلامية”.
 
 
السيدة عائشة
 
قد يكون وجود مفتيات هو أمرٌ غير معتاد في العالم الإسلامي الحديث، لكن هذا لم يكن الوضع على مدار التاريخ الإسلامي. خلال حياة النبي محمد، أصدرت حوالي 130 امرأة فتاوى دينية، وكانت السيدة عائشة، زوجة النبي الثالثة، أبرزهن. كما قام محمد أكرم الندوي، الباحث الإسلامي الشهير الذي يعيش في أوكسفورد، بفهرسة حوالي 1000 اسم لباحثات مسلمات لم يشتهرن في التاريخ.
 
ويقول الندوي عبر الهاتف “ترعرعنا في مجتمعات مسلمة محبِطة للمرأة، وهناك مساجد في المملكة المتحدة لا تسمح بدخول النساء”، مستطرداً “لكنهن في الماضي كُن يتعلمن ويُعَلِمن في المساجد بشكل طبيعي”.
 
لا تخضع المفتيات لتصنيف التفسيرات الليبرالية أو المحافظة للقرآن. أحياناً لا تتفق الفتاوى الصادرة في أبوظبي مع قانون البلاد. 
اتصل رجل مغترب بالخط الساخن مستفتياً عن حكم إلغائه لإقامة زوجته التي تسمح لها بالعمل في الإمارات لأنها لا تشارك براتبها في نفقات المنزل، وإعادتها للوطن مرة أخرى. وعلى الرغم من قانونية ما أراده، إلا أنه أراد معرفة إن كان هذا إثماً، وصدرت الفتوى أنه إثم كما جاء فيها أنه “لا يحق للزوج أخذ راتبها أو حتى جزء منه دون رضاها التام”.
 
لا يعني ذلك أن آراء النساء العالمات ستتفق مع التعريف العلماني الغربي للنسوية. تشرح الشيخة نعيمة أنها تنصح النساء اللاتي يتأكدن من وجود علاقة غرامية لأزواجهن، بدفع الزوج للزواج بعشيقته كزوجة ثانية بدلاً من الوقوع في خطيئة الزنى.
 
في أحد الأيام اتصلت امرأة عربية بالشيخة راضية أثناء دوامها على الخط الساخن. زوجها يحب امرأة أخرى، وهي مفطورة القلب، ماذا عليها أن تفعل؟
 
تحثها الشيخة راضية على إكمال حياتها “عليكِ أن تستمري في حياتك. لا تجعلي زوجك مركزها. هل لديكِ أطفال؟” تتوقف لبرهة قبل أن تتابع “حسناً ركزي على أطفالك. اعتبري زوجك زائراً. يمكنه القدوم والذهاب والأكل والنوم”.
 
تنهدت الشيخة راضية بعدما أغلقت الهاتف قائلة “من المؤسف أن امرأة وقعت في حب رجل متزوج، وهو زوج هذه المرأة”.
 
سألتها عن إمكانية نصحها باللجوء إلى الطلاق، لكنها رفضت قائلة إن الطلاق خطيئة ينبغي تجنبها. لكن ماذا لو كان زوجها يضربها؟ قالت إن الإسلام يحرم العنف المنزلي. “إذا أخبرتني امرأة بذلك، أحاول أن اكتشف هل يسيئان لبعضهما البعض. هل يمكن المصالحة؟ إن لم يكن ذلك وارداً، أخبرها أن عليها الاتصال بالشرطة والخدمات الاجتماعية”.
 
وتعترف أن إعطاء هذه النصيحة أيسر من متابعتها؛ لأن العديد من النساء اللاتي يتعرضن للعنف، يعتمدن مالياً على أزواجهن، مختتمة حديثها بالقول “أفضل حماية للمرأة هي استقلالها المادي”.
 
يتغير دور المرأة في الإمارات مع سعي البلاد الحثيث نحو النمط الغربي والتحديث الإسلامي. تشارك العديد من النساء، سواء من الإمارتيات أو العرب أو الآسيويات المغتربات، أزواجهن العبء المالي عبر العمل خارج المنزل. وبالتالي يتعرضن لثقافات وأفكار جديدة، وبدأ بعضهن في التساؤل عن الأفكار التي قبلنها أثناء نشأتهن، بل يتساءل بعضهن عن ضرورة ارتداء الحجاب.
 
 
الحجاب
 
توشك الشيخة نعيمة على إلقاء محاضرة في المسجد الذي جُدد حديثاً. المبنى الحجري الأبيض الواقع في الحي الثري بفيلاته التي تحيط بها الأسوار العالية. تجلس الشيخة نعيمة لتحتسي القهوة المحلية المعطرة بالهيل أثناء تدوينها للملاحظات. معظم جمهور الشيخة في الثلاثينات أو الأربعينات، بعضهن أكبر سناً، ومعظمهن من الإماراتيات، بالإضافة إلى بعض الفلسطينيات والسوريات والمغربيات.
 
اقتربت منها شابة فلسطينية بحجاب برتقالي بعدما ألقت محاضرتها التي امتدت لساعة حول إثم نشر الشائعات حول الآخرين.
 
ترددت الشابة وهي تسألها “هل يمكنني أن أسألكِ عن الحجاب؟ هل هو إلزامي؟”. سؤالها كان مذهلاً. القليل من نساء المنطقة لا يغطين شعورهن، وأقل منهن يتساءلن عن ضرورته.
 
“إنه إلزامي، وذُكِر في سورة النور” هكذا ترد عليها الشيحة نعيمة بلطف، مشيرة إلى آية وسورة محددة في القرآن.
 
لكن الشابة لم تقتنع بعد، وتشرح لها كيف لبست الحجاب منذ كانت مراهقة وكيف أنها تعيد التفكير في الأمر حالياً. إنها في الثلاثينات ولم تتزوج بعد، وتقلق من أن الناس ربما يرونها قديمة الطراز.
 
نصحتها أختها التي ترتدي الحجاب بأن خلعها له سيكون إثماً. أما والدتها ،التي ترتدي الحجاب أيضاً، فهي أكثر تناقضاً بسبب نشأتها في السبعينات الأكثر علمانية والتي شهدت تغطية القليل من نساء العرب لشعرهن.
 
ماذا عن النقاب، تساءلت الشابة، مشيرة إلى حجاب الوجه الذي يُظهِر العينين فقط.
 
وهو السؤال الذي أجابت عليه الشيخة بحزم قائلة “إنه خيار ثقافي لبعض نساء دول الخليج، ولكن ليس عليكِ ارتداؤه”.
 
شكرتها الشابة الفلسطينية بأدب، وقالت بعد ذلك إن سمعة الشيخة نعيمة في المجتمع سَوَّت المسألة “لديها العلم، لذا سأنصاع، لكنني أفضل لو لم أرتدِه، فأنا أحب إظهار شعري”.
tayyar.org Live News

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*