Latest News

لقد انتصر حقّ الرئيس البشير في عهد الرئيس العماد (جورج عبيد)

– بقلم جورج عبيد –
في لحظة الصبا، كنا مأخوذين إلى بشير الجميل المكنون في صلب مشروع راق وحضاريّ جهد بصورة حثيثة لتجسيده وتنفيذه وهو مشروع بناء الدولة وتطهيرها من الفساد. جاء هذا الهاجس عنده في لحظة لم يسد فيها الإجماع عند سائر المكونات على هذا المشروع، فدولة المذاهب والطوائف بأمرائها هم من تآمروا على البلد وقادوه ليكون مطيّة لحروب الآخرين أو لحروب من أجل الآخرين، وبؤرة لفساد استشرى في هيكله حتى العظم ولا يزال مستشريًا علمًا أن رئيس الجمهورية العماد ميشال عون يحوي هذه الرؤية وقد بدأ يجسدها رويدًا رويدًا.بعد أن أقدم بشير على ترشيحه لرئاسة الجمهورية، كلّف شخصيتين راقيتين في الدولة اللبنانية اشتهرتا بأخلاقهما العالية ورفعتهما السامية، وهما الدكتور جورج صليبي والدكتور خطّار شبلي رحمهما الله، وكلّفهما بإعداد برنامج جديّ هادف عنوانه بناء الدولة في لبنان، إتّصل بشير بالمغفور له الرئيس الياس سركيس وتمنّى عليه أن يضع مكتبين بتصرّف جورج صليبي وخطار شبلي لينكبا على إعداد الدراسة، فموقع القصر يبقى الأكثر أمانًا لدراسة وإعداد برنامج من هذا النوع. إستجاب الرئيس سركيس بكلّ سرور وانطلق الرجلان المحترمان بالدراسة. تبنّى بشير الدراسة المعدّة لتكون برنامجه الرئاسيّ، وما إن انتخب رئيسًا للجمهورية حتّى راح الموظفون يتجهون إلى وظائفهم قبل موعد الدوام الرسميّ، فبشير الجميل كان عاكفًا على إنهاء الحرب وبناء الدولة ومكافحة الفساد ومقاضاة الفاسدين ومعاقبتهم، وحين اغتيل بشير انتخب شقيقه أمين بدلاً عنه، وتخلّى عن جورج صليبي وخطار شبلي أي تخلى عن مشروع بشير بحلم بناء الدولة وإنهاء الحرب.سرد هذه الرواية بواقعيتها غوص متجدّد ومتوثّب في هذه المسيرة البشيريّة المتحررة من الأهواء. لا يعني السرد والغوص بأن بشيرًا ما كان متوغّلاً في الدماء، ولا يعفينا أن نستذكر بأنه وصل إلى الرئاسة على الدبابة الإسرائيليّة، لكنّه ليس وحده من توغّل في هذا المشروع يعرف ذلك معظم من تعاطوا العمل السياسيّ في ذلك الحين، وبعيد اعتياله التبس الوضع في الجبل على وجه التحديد، حيث عزف الإسرائيليون على الوتر المذهبيّ الحساس بين المسيحيين والدروز وشهدت بلدة سوق الغرب في أواخر شهر أيلول من سنة 1982 كيف ان الإسرائيليين أدخلوا مقاتلين من الحزب التقدميّ الاشتراكيّ من عيتات إلى أوتيل كامل في البلدة وأدخلوا في المقابل مقاتلين من القوات اللبنانية آنذاك، فأوهموا مقاتلي القوات بأنهم سيحتلون بلدة عيتات وأوهموا الإشتراكيين بأنهم سيحتلون بلدة سوق الغرب ووقعت المجزرة بين الطرفين، وغاص الجميع في بحر من الدماء. على هذا يفترض بالنقاد السياسيين إذا راموا الحقّ أن ينظروا إلى التاريخ اللبناني نظرة عادلة وثاقبة وشاملة وغير متجزئة أو مجتزأة يسقطون في ثناياها عواطفهم وغرائزهم الفياضة والجياشة بعوارض مرتفعة الحرارة ضدّ فريق واحد التبس موقفه وشذّ حراكه، وظنّ في مسرى الالتباس والشذوذ أنه قد يلتمس خلاصًا لشعبه وبيئته في وضع كانت تلك البيئة محاصرة وجوديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، من الفلسطينيين والحركة اليسارية والسوريين… بشير الجميل ما قبل ترشحه غير ما بعده، وبشير الجميل بعد انتخابه غير ما كان عليه خلال ترشحه، بشير مجموعة متحولات في رجل، لقد واجه السوريين في الأشرفية والفياضيّة وزحلة في وقت كانت الجبهة اللبنانية هي من طلب من الرئيس الأسد الدخول إلى ما يسمى ببيروت الشرقية ومحيطها، وما كان الطلب خاضعًا سوى لمنهج اللقاء بين هنري كسينجر وحافظ الأسد سنة 1973، بشير الجميل قرّر معاقبة آل فرنجية في إهدن ردًّا على مقتل جود البايع فوقعت الكارثة الكبرى، وقرّر القضاء على حزب الوطنيين الأحرار في الصفرا ومن ثم في عين الرمانة ليتسنى له صهر بقسر هذا المجتمع في رؤيته الآحادية والتوحيديّة، هذا هو بشير ما قبل الترشيح والرئاسة. للناقدين أن يشرّحوا تلك المحطّات بكثير من الشجب والسخط لأنها المقدمة الفعلية للتمزق المسيحيّ في زمن للادولة ومن زمن الوطن المنسلخ عن ذاتيته، وللناقدين أيضًا أن يقرأوا بشير الجميل القوميّ بكثير من الرفض والغضب بإحساس واضح أن لبنان لا يمكن له أن ينسلخ عن محيطه العربيّ وتكوينه المشرقيّ كجزء من هذا المدى المديد المسمّى بالهلال الخصيب أو برّ الشام أو “الجيوبوليتيك الأنطاكي” والتسمية للأب ميشال سبع.غير أن بشير الجميل بدأ يعود إلى المسرى الطبيعيّ الأصيل والموضوعيّ حين انفتح في البدء على آل أرسلان وبخاصة على الأمير مجيد أرسلان وإبنه فيصل، وكان لقاؤه بالرئيس صائب سلام الذي كان خصمًا للكتائب وللشيخ بيار الجميل بداية التحولات الكبرى والعودة إلى لحظة الميثاق الوطنيّ وإلى تجسيد لبنان في مبدأ العروبة البيضاء. الاشتباك الكلاميّ مع مناحيم بيغن في نهاريا فصل بين بشير العهد القديم وبشير المفترض أن يجسّد العهد الجديد، عهد ال10425 كلم2 ببعده الميثاقيّ إذ اكتشف بأن لبنان غير قادر على الانسلاخ عن محيطه العربيّ، وعلى التفريط بإرثه الحضاريّ المتكوّن من هذا التنوّع المسيحيّ-الإسلاميّ الفريد.في هذا الإطار روى الوزير السابق كريم بقرادوني في حديث للمؤسسة اللبنانية للإرسال بأن بشيرًا زاره، وتذوّق كوبًا من المثلجات كانت زوجته منى قد أعدته وهو يستحب هذا النوع من المثلجات، وطلب من كريم أن يتكلم مع أصدقائه وقد عنى بأصدقائه السوريين، وحين سأله كريم ماذا حصل في اجتماع نهاريا جاءه جواب بشير لقد انتهينا على خلاف كبير لا رجوع عنه. إتصل كريم بالمغفور له الرئيس الياس سركيس وسأله عن إمكانية انفتاح بشير على القيادة السوريّة، فما كان من الرئيس الياس سركيس سوى ان أكّد له بأن التواصل مع السوريين خير من التواصل مع الإسرائيليين فهو يجنب لبنان خضّات مستقبلية كبرى. ومن هنا يصح القول بأنّ اغتيال بشير يصبّ في معنى هذا التحول الذي شاءه لنفسه. لماذا قتل بشير الجميل؟ 1-لأنه قرّر بناء الدولة ومكافحة الفساد وإقصاء الفاسدين عنها ومعاقبتهم ومحاسبتهم، وتكوين وجه جديد وساطع لها. وحين استشهد أتى أخوه وتخلّى عن المشروع بجملته.2-لأنه شاء التحوّل من العصر الإسرائيليّ المفتّت بفلسفته للكيانات للمدى الميثاقيّ العربيّ الجامع للبنان ال10425 لكم2 فلم يعد جزءًا منهم وقد أسرّ ذلك للرئيس الراحل صائب سلام، وكريم بقرادوني وقد كان من المقربين إليه على علم بذلك.3-لأنّه شاء الانفتاح على السوريين ضمن متهج سياسيّ سياديّ متوازن يحافظ فيه على الذاتية اللبنانيّة بلا تلاش، وقد قرأ بحق بأن السوريين غير بعيدين عن الأميركيين في خياراتهم السياسية تجاه القضية اللبنانية والقضية الفلسطينيّة.هذا التحوّل الجذوريّ عنده قضى عليه، حبيب الشرتوني ليس بطلاً إلاّ عند العقيديين-الحروفيين، الذين قرأوا الاغتيال بأنه إعدام في حين أنه اغتيال حقيقي بكل ما تعنيه كلمة اغتيال من معنى، ولا يسوغ لأحد أن يفتخر به. فالخلاص من بشير مصلحة اجتمعت فيها كلّ القوى اللاعبة على الأرض اللبنانية سواء بالتخطيط والتنفيذ أو التهليل، حبيب الشرتوني ونبيل العلم ليسا سوى حجابين لتقاطع الخطوط ضمن خط واحد واجتماعها على اغتيال بشير بتلك الوحشية البربرية وقد استشهد معه أبرياء لا دخل لهم في هذا الصراع. وللأمانة، فإنّ الزعيم أنطون سعادة فضّل ان يُقتل لا أن يَقتل، رفض مقارعة الأخصام بقتلهم بل بالنقاش معهم، وإت بلغ النقاش مبلغ الخضومة، من قرأ سعادة فهم أن نقاوة هذا الرؤية. لا احد يفتخر بأن يكون حبيب الشرتوني قاتل بشير الجميل لأنه “عميل إسرائيليّ”، بحسب اعتقادات بعضهم. ولا أحد له الحقّ بالعقاب سوى الدولة وليس الحزب أي حزب.قرار المجلس العدلي أظهار الحقّ في عهد كرّس نفسه للحقّ، في عهد احتضن المقاومة ولا يزال، وصدر حكم الإعدام في ظلّه على أحمد الأسير لأنه مجرم وقتل ضباطًا من الجيش اللبنانيّ، ويسير واثق الخطوة ملكًا باتجاه فتح كلّ الملفات من أجل توطيد العدالة وبناء دولة بريئة من العيب والفساد. لقد استهجن الجميع عدم التفاتة خطباء ساحة ساسين في الأشرفية نحو سيد العهد وساءهم هذا الاستقبال غير اللائق والأخلاقي لوزير الخارجية جبران باسيل الذي جاء للتضامن والوقوف إلى جانب العائلة، لقد انتصر كبر جبران على قلة أخلاق من صفّر واستهجن (مش هيك كان نهج البشير). فالشكر لفخامة رئيس الجمهورية الذي ساهم بتحريك الملفّ بنزاهة، ولم يحرّكه أي من الرؤساء السابقين وبنوع خاص شقيق بشير أمين الذي على العكس ساهم بتهريب حبيب الشرتوني إلى أن تمّ اعتقاله من قبل القوات اللبنانية على خطّ الدوار العيرون، وقد تم تهريبه من جديد…ألم يسأل احد من العائلة الكريمة أو من حزب الكتائب اللبنانية والقوات اللبنانية أو من المسيحيين لماذا لم يتحرّك ملف حبيب الشرتوني في تلك العهود السالفة وتمّ تحريكه قضائيًّا الآن وفي هذا الزمن وفي تلك اللحظة بالذات؟ “إسألوا تعطوا” فيتبدّد الوهم وتبلغوا بالأجوبة زمن اليقين. والجواب أن ميشال عون رجل الحق والقرار بل شجاعة القرار لا يحابي أحدًا ولا يجافي الحقّ ولا يناور ولا يستجدي. هو سيد القرارات الحرة والواعية بإرادة صلبة لا مزاح فيها. والشكر أيضًا لوزير العدل الصديق سليم جريصاتي الحريص بعلمه وثقافته العالية على قضاء نزيه وعادل وراق، الذي سهر وحرص على إنهاء هذا الملفّ بطريقة مشرفة. العهد المحتضن للمقاومة يحتضن بدوره حقّ بشير بالوساعة الوطنيّة وليس بالخصوصيّة المسيحيّة وقد حرص على إظهاره بصورة قاطعة.غاب بشير، وبقي منه حلم بناء الدولة وهو حلم طفولتنا وصبانا وشبابنا وكهولتنا، والرئيس العماد سيكون البنّاء الأول لها، وقد وضع اللبنة الأولى والمسيرة مستمرّة حتى نهايتها السعيدة.
Tayyar.org News

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

*